الحلبي

273

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

« إن اللّه أمدّني بأشد العرب ألسنا وأدرعا ، بابني قيلة الأوس والخزرج » واللّه إنهم الآن لمجتمعون بقبا بالمد والقصر ، وربما قيل قباة - بتاء التأنيث والقصر - على رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي ، فلما سمعتها أخذتني العرواء : وهي الحمى النافض : أي الرعدة ، والبرحاء : الحمى الصالب حتى ظننت أني ساقط على سيدي ، فنزلت عن النخلة ، فجعلت أقول لابن عمه ذلك : ما تقول ؟ فغضب سيدي ولكمني لكمة شديدة ثم قال : ما لك ولهذا ؟ أقبل على عملك ، فقلت : لا شيء ، إنما أردت أن أثبته فيما قال وقد كان عندي شيء جمعته : أي وهو محتمل لأن يكون تمرا ، ولأن يكون رطبا . فلما أمسيت أخذته ، ثم ذهبت به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه ، فقلت له : إني قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم فقرّبته إليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه كلوا وأمسك يده ، فلم يأكل . فقلت في نفسي هذه واحدة : أي ومن ثم لما أخذ الحسن بن علي رضي اللّه تعالى عنهما وهو طفل تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه ، قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كخ كخ ، أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة » رواه مسلم . وروي أيضا أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها لآكلها ، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها » ووجد صلى اللّه عليه وسلم تمرة فقال : « لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها » وقال : « إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس » وفي رواية « إن هذه الصدقات ، إنما هي أوساخ الناس ، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد » والراجح من مذهبنا حرمة الصدقتين عليه صلى اللّه عليه وسلم وحرمة صدقة الفرض دون النفل على آله . وقال الثوري : لا تحل الصدقة لآل محمد لا فرضها ولا نفلها ولا لمواليهم ، لأن مولى القوم منهم ، بذلك جاء الحديث . قال سلمان : ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا هو أيضا يحتمل أن يكون تمرا ولأن يكون رطبا . وتحوّل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته فقلت : إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها ، فأكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأمر أصحابه فأكلوا معه ، فقلت في نفسي : هاتان ثنتان : أي ومن ثم روى مسلم « كان إذا أتي بطعام سأل عنه ، فإن قيل هدية أكل منها ، وإن قيل صدقة لم يأكل منها » . قال سلمان : ثم جئت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد ، وقد تبع جنازة رجل من أصحابه : أي وهو كلثوم بن الهدم الذي نزل عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقباء لما قدم المدينة . وقيل هو أول من دفن به ، وقيل أول من دفن به أسعد بن زرارة ، وقيل أوّل